05 مايو 2023

اليوم العالمي للصحافة: كيف حال صحافتنا الوطنية؟ - نبض المصريين

 **اليوم العالمي للصحافة: كيف حال صحافتنا الوطنية؟**

يكتب : اسامة فرج

- النهاردة بيحتفل العالم باليوم العالمي للصحافة، اللي بيتزامن مع حدث مهم جدا خاص بمصر، وهو بدء جلسات الحوار الوطني.
- الحقيقة إن على مدى السنوات اللي فاتت الصحافة المصرية عانت بشدة على كل المستويات زي ما هنوضح، لكن كلنا مؤخرا استبشرنا خير بفوز الأستاذ خالد البلشي بانتخابات نقابة الصحفيين قبل شهرين، باعتبار إن الأستاذ خالد من الأصوات المدافعة عن حرية الصحافة واستعادة المهنة لمكانتها ومستواها.
- الأعضاء الجدد في مجلس النقابة وعلى رأسهم النقيب أكدوا بخطوات متتالية إنه مش جاي علشان الصدام مع الدولة أو مع أي طرف، وأكدوا ده بترحيبهم بالمشاركة في الحوار الوطني، وإعلانهم المشاركة فيه رغم عدم الإفراج عن المعتقلين السياسيين إلى الآن، بما في ذلك أكثر من عشرين صحفي.
- مع ذلك، للأسف بنصحى النهاردة على خبر القبض على الصحفي المعروف حسن قباني بدون أسباب واضحة إلى الآن، قبل ما يتم الإفراج عنه بعدها بساعات، مع استمرار احتجاز أكتر من عشرين صحفي، منهم على الأقل ٤ صحفيات، وبعضهم من يعاني حالات صحية خطيرة.
- لكن وبالرغم من كدا فيه إجراءات حتى ولو كانت مش بالشكل الكافي ممكن تكون باب لإن الوضع يتحسن، ودا لما شفنا مؤخرًا يوم السبت ٢٩ أبريل الحجب اترفع عن موقع درب اللي كان اتحجب بعد شهر واحد من انطلاقه في ٢٠١٩، كمان شفنا أخبار إيجابية بالإفراج عن الصحفيين رؤوف عبيد وهشام عبدالعزيز، واللي بنهنينهم على حريتهم وكذلك بنهني موقع درب وفريق العمل والقراء على رفع الحجب عنه.
- في اليوم العالمي للصحافة، محتاجين نراجع وضع الصحافة في مصر، نفكر فيه مرة تانية، جايز يكون فيه مخرج واقعي من الوضع ده.
***إزاي الحكومة الحالية بتفكر في الصحافة؟
- مصر بلد عندها صحافة عريقة، بدأت بصحيفة رسمية هي الوقائع المصرية، وتضمنت وقتها مقالات سياسية وثقافية كتبها رائد التنوير المصري رفاعة الطهطاوي، ثم مجلة روضة المدارس الثقافية اللي أسهم فيها علي باشا مبارك أبو التعليم بجانب رفاعة الطهطاوي.
- وفي سبعينات القرن التاسع عشر، انتعشت الصحافة في مصر مع نضج الحركة الوطنية المصرية وطموحها الهائل وقتها للتحديث، وظهرت الصحافة المستقلة والخاصة زي الأهرام للأخوين تقلا، والمحروسة لعزيز رند، والتنكيت والتبكيت لعبد الله النديم، وجريدة مصر لأديب إسحاق وسليم النقاش.
- طول الوقت من بعد الاحتلال الإنجليزي، الحكومات المصرية المتعاقبة عندها حساسية من الصحافة بحكم إن الديمقراطية في مصر لم تنضج في أي لحظة تاريخية وتتحول لنظام سياسي مستقر، لكن الدولة المصرية اللي هي دولة كبيرة وقوية وعريقة كانت دايما قادرة تدير الحساسية دي بشكل ذكي، تفتح مساحات للحرية تحافظ على مهنة الصحافة.
- الحفاظ على الصحافة كانت الدولة حريصة عليه لأسباب كتيرة منها مثلا إنها ضرورية علشان المجتمع ميشعرش بكبت شديد يخليه ينفجر في السلطة زي ما حصل في مرات كتير، ومنها إن الصحافة بتلعب دور مفيد للدولة في القضايا المجمع عليها لأن المجتمع لما بيكون واثق في الصحافة بيستجيب لها كصوت وطني وبيتحد مع الدولة في القضايا الكبيرة، فدايما الصحافة كانت بتخلق توازن مهم.
- علشان كده في عهود كتير مكنش فيها ديمقراطية سياسية مستقرة زي في الحقبة الملكية وبعد ثورة يوليو، كنا بنشوف صحافة في مصر قوية، بتعمل تحقيقات وتقارير وفيها مقالات سياسية ونقاشات وجدالات عنيفة حوالين كل شيء واتجاهات مختلفة بل ومتصارعة، والدولة بتدير ده كله سواء كان صحافة مستقلة أو صحافة خاصة بتوازن ومساحة حرية بتزيد أو تقل لكن تفضل موجودة.
- اللي بيحصل في السنوات الأخيرة مش كده، اللي بيحصل إن مؤسسات الدولة المصرية، وتحديدا المؤسسة الأمنية، حاولت تهيمن على كل الصحافة في مصر، كل مؤسسة إعلامية صغيرة أو كبيرة، وتخضعها لخطاب واحد وصوت واحد وسقف واحد منخفض جدا من العمل الصحفي، لدرجة إن مش بس ميكونش فيه دور نقدي أو تحقيقي للصحافة، ده أصلا الأخبار مبتظهرش في الصحف، وآخر تجربة لده هو حجب المواقع الي نشرت خبر احتجاز الجنود المصريين في السودان.
- ده بيحصل في زمن فيه سوشيال ميديا وفيه فيديوهات وفيه إعلام إقليمي نشيط ومتنافس وإعلام عالمي بيوصل كل بيت، يعني تصرف أصلا مش منطقي خالص بصرف النظر عن مواضيع زي الحرية والمهنية.
**إيه واقع الصحافة المصرية؟
- العقلية الأمنية دي اللي بقت بتحكم كل حاجة في البلد وبنعيش حاليا آثارها الاقتصادية زي ما كلنا شايفين، ظهر أثرها بمنتهى الوضوح في مجال الصحافة.
- أولا عندنا احتكار لكل الصحافة الورقية وأغلب الصحافة الرقمية في مصر لشركات تابعة للأجهزة الأمنية زي شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، والمواقع الصحفية الرقمية اللي كانت آخر مساحة للحرية تم حجبها كلها تقريبا من سنة ٢٠١٧.
- ثانيا عندنا أكثر من ٢٠ صحفي في السجن وقبلهم عشرات الصحفيين دخلوا السجن وخرجوا خلال السنوات الأخيرة.
- أكتر من تجربة فشل وإهدار مال وفساد في المؤسسات الإعلامية التابعة للأجهزة الأمنية دي من أول تجربة شبكات DMC وصولا إلى تجربة قناة القاهرة الإخبارية، والجديد إن بدل الاعتراف بفشل السياسات دي بتخرج وسائل الإعلام المملوكة لشركات الأجهزة الأمنية تمدح أداء وسائل الإعلام المملوكة لنفس الشركات، يعني بتمدح تغطيتها لنفسها.
- شفنا ده في تجربة حريق كنيسة أبو سيفين في إمبابة، اللي تقريبا متمش تقديم أي تغطية لها في وسائل الإعلام المصرية المملوكة للشركات دي لحد ما جت أوامر بعينها، لكن خرجت الصحف التابعة للشركات دي بتقارير صحفية تشيد بالتغطية اللي محصلتش أصلا بالشكل المطلوب.
- أثر ده على الصحافة المصرية واضح جدا، أخبار وموضوعات خطيرة لا تجد أي تغطية في الصحافة المصرية زي احتجاز الجنود المصريين في السودان من أسبوعين وزي حريق الكنيسة العام الماضي.
- في المقابل بنشوف هيمنة لبرامج الطبخ على الإعلام المرئي وما شابه لدرجة بيلاحظها الرئيس بنفسه ويتكلم عنها، وبنشوف التقارير الصحفية اليومية عن الخرافات والحوادث العجائبية والحياة اليومية للمشاهير بهدف جذب الجمهور في ظل غياب أي تغطية للمواضيع الجادة.
- بنشوف هجرة للكفاءات في ظل معانتهم المادية وعدم وجود مساحة لهم للقيام بعمل صحفي جاد ومفيد في وسائل إعلام من هذا النوع.
- إحنا مش مستنيين كتير في اليوم العالمي للصحافة، مش مستنيين حرية شاملة وحقيقية للصحافة لأن مفيش حرية صحافة في بلد مفيهوش حرية سياسية.
***هل فيه أمل؟
- بالتأكيد طول الوقت فيه أمل في التغيير للأفضل مهما كانت الوضع، ودايمًا فيه مؤشرات على الأمل دا حتى ولو كان البعض بيشوفها مش كبيرة.
- زي ما قلنا شفنا قرارات الإفراج عن صحفيين بتتنفذ، وشفنا موقع درب بيترفع عنه الحجب، وإن دا هو الحد الأدنى من الإجراءات اللي محتاجينها، خاصة وأنه رئيس تحرير الموقع كان نقيب الصحفيين.
- بالمناسبة في نفس الإطار نقابة الصحفيين كانت أعلنت المشاركة في الحوار الوطني اللي بدأ في بيان لها يوم الثلاثاء ٢ مايو، واتكلمت عن عدد من المقترحات لتحسين أوضاع المهنة.
- من بين المقترحات دي: تعديل التشريعات لترسيخ استقلال المؤسسات الصحفية وتسهيل عمل الصحفيين وتحسين أجورهم، بالإضافة لإصدار قانون حرية تداول المعلومات بمشاركة النقابة لتنفيذ المادة ٦٨ من الدستور، وإصدار قانون يلغي العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية طبقا للمادة ٧١ للدستور، وكررت المطالبة برفع الحجب عن المواقع وتعديل مواد الحبس الاحتياطي اللي اتحول لعقوبة في حد ذاتها، ودعم مهنة الصحافة وتخفيف الأعباء عن مؤسساتها ومراجعة القيود على حرية الإصدار بالمخالفة للدستور، وتوسيع مساحات الحرية للتعبير عن الرأي.
- بالتأكيد كلها مطالب مشروعة، وكمان مهمة جدا، وتنفيذها كفيل بحل مشاكل كتير بتواجهها مهنة الصحافة بل والبلد.
- الأمل الأكبر عندنا بيكون في الصحفيين اللي بوعي كبير اختاروا نقيبهم وممثليهم، عشان شايفين إنه لازم يكون فيه تحسين لوضع مهنتهم اللي بالضرورة مرتبطة بتحسين وضع البلد.
- وهنا بنكرر كلامنا عن أهمية العمل النقابي الحر والمستقل اللي بيبدأ بانتخابات حرة تعبر عن الأعضاء زي ما حصل في انتخابات نقابة الصحفيين الأخيرة، واللي بتأكد قد إيه دا مهم لصالح المهنة والمهن المختلفة ولصالح العاملين، بل وبيخلينا نقول إنه التطور دا هيخلي مجالات كتير وعاملين في أوضاع أفضل.
- لذلك مستنيين بس الإفراج عن أكتر من ٢٠ صحفي كلهم صحفيين بسطاء وشباب لا يمكن يشكلوا خطر على أي حكومة قوية.
- مستنيين رفع الحجب عن المواقع الصحفية المصرية والعالمية اللي مابتهاجمش الحكومة ولا حاجة، وإنما فقط بتنشر أخبار الناس بتعرفها بشكل طبيعي جدا على مواقع التواصل الاجتماعي سواء تم حجب المواقع دي أو لأ.
- مستنيين إن الدولة المصرية ومؤسساتها المختلفة وعلى رأسها الأجهزة الأمنية تسيب مساحة حرية ومهنية في الصحافة المصرية على الأقل في تناول الأخبار والتحقيقات اللي تمس حياة المصريين.
*** أخيرا في اليوم العالمي للصحافة، بنوجه تحية لكل صحفي مصري ما زال متمسك بأخلاق مهنته وواجبه المهني في ظل الظروف المادية والمهنية العصيبة دي، وخاصة الصحفيين المصريين سجناء الرأي في السجون المصرية.
- بنوجه تحية للصحفيين في المواقع الصحفية المستقلة اللي بتمثل نقطة الضوء في الصحافة المصرية النهاردة، وبنقدم التهنئة لموقع مدى مصر اللي حصل بالأمس على جائزة حرية الإعلام من كندا والمملكة المتحدة لعام ٢٠٢٣ بسبب "التزامه الاستثنائي بالصحافة المستقلة وعالية الجودة" وفقا لبيان الخارجية البريطانية.
- المثال اللي بيقدمه مدى مصر وغيره من المواقع المستقلة زي موقع درب والمنصة، ده لازم الدولة المصرية تشوفه علشان تتأكد من قوة الصحافة المستقلة وأهميتها، وعلشان بلدنا أولى بدعم وتكريم النماذج الصحافية المصرية الناجحة دي من أي تكريم في الخارج.
- بنهني كل صحفيي مصر في اليوم العالمي للصحافة مع تمنيات بأن يكون القادم أفضل للصحافة والصحفيين في مصر.