أجيال مستباحة.. من يغلق دكاكين الدروس الخصوصية ويسترد كتاب الوزارة؟
بقلم: سماح حمادي
حين نتأمل مشهدنا التعليمي اليوم، يطرق أسماعنا سؤال حائر ومشروع: أين كتاب الوزارة؟ وأين تلك المدرسة التي كانت يوماً محراباً للعلم ومهداً للتربية؟
لقد تراجعت مؤسساتنا التعليمية الرسمية خطوة للوراء، لتترك الساحة خالية أمام ماكينة جارفة من الدروس الخصوصية والكتب الخارجية. هذه الماكينة تحكمت بمصير الأجيال، وحولت العملية التعليمية من رسالة مقدسة لبناء العقول إلى سوق تجاري واسع، يستنزف طاقات الأبناء وجيوب الآباء على حد سواء.
غياب كتاب الوزارة.. فراغ ملأته التجارة
لم يعد الكتاب المدرسي مرجعاً أساسياً للطالب ولا رفيقاً دراسياً يُعتمد عليه؛ بل هُجّر عمداً ليفسح المجال أمام سيل عارم من المذكرات التجارية التي تتكاثر بلا مبرر علمي حقيقي. هذا الغياب التدريجي للمناهج الرصينة فتح الباب واسعاً لتحويل المواد الدراسية إلى "سلع استهلاكية" تتنافس دور النشر ومراكز التعليم الموازي في ترويجها.
وحين يُعزل كتاب الدولة وتفقد المدرسة دورها التوجيهي، يصبح الطالب وأسرته رهائن في أيدي تجار لا يهمهم سوى حصد الأرباح، بعيداً عن أي معايير تربوية حقيقية.
دوامة الاستنزاف.. بين قاعات السناتر وأعباء الميزانية
الضحية الأولى لهذا الفراغ هي الأسرة المصرية؛ فقد وجدت نفسها مرغمة على خوض سباق محموم لتوفير نفقات لا تنتهي: من اشتراكات الدروس الخصوصية، إلى قوائم المراجع والملخصات المتجددة بلا طائل. صار البيت المصري يعيش تحت ضغط نفسي ومادي مخيف، محكوماً لهاجس الدرجات والتجارة التعليمية، بعيداً عن الفهم الحقيقي أو بناء الشخصية السوية.
أما الطالب، فيُحاصر بحشو مبالغ فيه وأسئلة تُقدّس الحفظ الأعمى على حساب الابتكار والتفكير النقدي، مما يفرغ التعليم من مضمونه الإنساني والفكري.
نحو استعادة وجه التعليم الحقيقي
إن إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح لا تتم إلا بإحياء المدرسة المصرية، ورد الاعتبار لكتاب الوزارة باعتباره الأساس المتين للتحصيل، إلى جانب تقنين وتطهير مناخ التعليم الموازي من العشوائية والمتاجرة بمستقبل الأبناء.
لقد حان وقت الصحوة؛ لتعود للمؤسسة التعليمية هيبتها، ويُرفع عن كاهل البيوت المصرية كابوس الاستنزاف المستمر، ليبقى التعليم حقاً أساسياً لكل محتاج، لا امتيازاً مالياً أو بضاعةً تُباع وتُشترى.




























